مقترحاتي لتطوير النظام الصحي ضمن بادرة #العصف_الذهني_الإماراتي

عيادة الإتحاد

استكمالا لمقالي السابق حول تطوير النظام التعليمي لدولة الإمارات، تجاوبا مع دعوة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس الوزراء، أقوم في مقالي باستخدام نفس المبدأ الذي اقترحت عن طريقه تطوير النظام التعليمي في الدولة، لكن مع تعديله ليناسب تطوير النظام الصحي فيها.

تعاقبت الأجيال في إدارة وزارة الصحة والمؤسسات الصحية المحلية المختلفة في الدولة، إلا أن النتائج ما زالت ثابتة. ما زال المقيم في دولة الإمارات يشتكي من تدني مستوى العلاج الحكومي، ويلجأ للمستشفيات الخاصة أو للعلاج في الخارج، مما يكبد الدولة مبالغ طائلة في الإنفاق على نظام صحي لا يقوم بالدور المناط به، وعلى ابتعاث المواطنين للخارج بهدف علاج أمراض أكثرها مكرر ويُفترض أن تكون الدولة قد بلغت باعا طويلا في التعامل معها. لذلك لابد من التوقف عن النفخ في قربة مقطوعة، وأن نغير وجهتنا لنظام “أذكى” يعتمد على “العرض والطلب” وينتهج الربح المادي كأداة يغري بها المؤسسات الصحية بالتطور في المجال الذي ينبغي أن تتطور فيه حسب احتياجات المجتمع المحلي “السوق” وعلى ضوء أبرز التوجهات العالمية.

فكرتي تعتمد على الخصخصة التامة لقطاع الصحة مع الإبقاء على وزارة الصحة كمؤسسة رقابية ذات نفوذ كبير على المؤسسات العلاجية كما سيرد بالتفصيل في هذا المقال.

خصخصة مؤسسات وزارة الصحة في دولة الإمارات:

تدير وزارة الصحة مؤسسات في مختلف مناطق الدولة، فهي مسؤولة عن نشر المستشفيات والعيادات والمختبرات وإدارتها وتعيين العاملين فيها وتزويدها بالمعدات والأدوية وغيرها من الموارد، وهي الممولة والمديرة والمقيِّمة لهذه المؤسسات مما يضعها في وضع تضارب مصالح ينشأ عنه نقص في ثقة المستخدمين، وإهدار في موارد الدولة التي تصرف المليارات على المستشفيات، ثم تصرف مليارات أخرى على ابتعاث المواطنين للعلاج في الخارج بسبب عجز مستشفيات الدولة عن التعامل معهم بصورة فاعلة.

أقترح خصخصة النظام الصحي في الدولة على الشكل التالي:

1- تحدد وزارة الصحة احتياجات كل منطقة من مناطق الدولة، وتخصص مصحات في كل منطقة تناسب احتياجات قاطنيها (مثلا: المنطقة (أ) تحتاج لمستشفى كبير ومركز طوارئ وإسعاف وعيادة أسنان، المنطقة (ب) تحتاج لمختبر أشعة ومستشفى ولادة ومركز للتعامل مع مرضى السكري، الخ).

2- تحدد وزارة الصحة المعايير والمواصفات الدنيا المطلوبة في المصحات (مثلا: المساحات، عدد الأسِرَّة، الأجهزة المطلوب تواجدها، المختبرات المطلوبة في كل مصحة، عدد الأطباء والممرضين والعاملين ودرجة تأهيلهم، مواصفات الأمن والسلامة، الخ).

3- تقوم وزارة الصحة بجرد المصحات الحكومية والخاصة الموجودة حاليا في مختلف مناطق الدولة، وتتأكد من كفايتها، في حال وجود نقص في المصحات الحالية، تقوم الوزارة بالتنسيق مع بلدية كل إمارة لتخصيص أراضٍ إضافية لبناء المصحات في المناطق للإيفاء بحاجاتها.

4- تقوم الوزارة بطرح كل المصحات القائمة حاليا في دولة الإمارات العربية المتحدة في مناقصات عامة تعطي حقوق إدارة كل مصحة منها للجهة الفائزة بالمناقصة لمدة لا تقل عن 15 سنة. ويتم توضيح نوعية المصحة المطلوبة في كل مناقصة بحيث تتوافق مع اشتراطات الوزارة الواردة في النقطتين 1 و2 أعلاه.

5- تقوم الوزارة أيضا بطرح الأراضي المخصصة للمصحات الجديدة المذكورة في النقطة رقم 3 أعلاه في مناقصات مشابهة تشمل قيام الجهة الفائزة بكل مناقصة ببناء مصحة في الأرض المخصصة لذلك، بالشروط والمواصفات والمعايير الموضحة في النقاط 1 و2 و3 الموضحة أعلاه.

6- تتم هذه الخطوات تدريجيا بحيث يكون الهدف في النهاية هو خصخصة كل مصحات الدولة خلال عدة سنوات.

7- تنقسم وزارة الصحة لأربعة أقسام مستقلة تماما عن بعضها:

أ- مؤسسة التخطيط الصحي وهي الجهة المسؤولة عن تحديد حاجات المجتمع والمناطق السكنية كتحديد أنواع المصحات المطلوبة كما ورد في النقطة (1) أعلاه، وتحديد معاييرها حسب النقطة (2) أعلاه. وتفرض هذه المعايير على كل مصحات الدولة ومشغلي المصحات. من مسؤوليات هذه المؤسسة أيضا تطوير معاييرها بشكل دائم بما يتوافق مع حاجة السوق وتطور العالم.

ب- مؤسسة الرقابة الصحية. وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة التزام المصحات والشركات المشغلة لها بالمعايير التي تحددها مؤسسة التخطيط الصحي. وتقوم المؤسسة كذلك بمراقبة التزام المصحات بمعايير رضا العملاء ورصد حالات الأخطاء الطبية والوفيات والإهمال. تقوم المؤسسة أيضا بمراقبة التزام المصحات بنسب التوطين التي تشترطها الوزارة على مهنتي الطب والتمريض. كما تُناط بالمؤسسة مهام مراقبة أسعار العلاج والأدوية وعدد حالات الإبتعاث الخارجية وأسباب عدم توفر مثل هذه العلاجات داخل الدولة.

ج- مؤسسة الرعاية الصحية. وهي المؤسسة المسؤولة عن ضمان حصول المواطن الإماراتي على حقه في العلاج المجاني عن طريق تحمل نفقات تأمين علاجه داخل وخارج الدولة، وتقوم أيضا بتحديد التكاليف المعقولة للعلاج والأدوية والتأمين الصحي داخل الدولة. كما تقوم بتقديم خدمات تطوير مهارات الأطباء والممرضين المواطنين.

د- قاعدة البيانات الصحية الوطنية. وهي مؤسسة تعنى بتأسيس قاعدة بيانات وطنية موحدة، ترتبط بها أنظمة كل المؤسسات العلاجية داخل الدولة، وتحوي كل البيانات الصحية لكل مواطن ومقيم مثل التاريخ العلاجي والأمراض الوراثية والحساسيات التي يعاني منها والأدوية التي يتعاطاها حاليا والوعكات التي أُصيب بها مؤخرا وتشخيص الأطباء لها وصور الأشعة ونتائج الفحوصات المخبرية وتاريخ التطعيمات، بحيث يستطيع أي طبيب في أي مصحة يراجعها المريض أن يحصل على كل بياناته مباشرة دون الحاجة لتكرار الفحوصات والتحاليل ومحاولة حزر حالة المريض، كما يقوم كل طبيب بتحديث السجل الصحي الوطني للمريض مع كل زيارة. وهذا النظام ليس بالشيء الجديد، لكنه موجود عالميا منذ عقود تحت مسمى “السجل العلاجي الشخصي Personal Health Record” وهناك شركات كبرى تقدمه ضمن منتجاتها مثل مايكروسوفت هيلث فولت وورلد ميديكال كارد ودوسيه، بل حتى جوجل دخلت هذا المجال قبل فترة.

8- تقوم وزارة الصحة بدعم توطين مهنتي الطب والتمريض تدريجيا عن طريق فرض نسبة توطين تصاعدية على المصحات الموجودة في الدولة. وتقوم مؤسسة الرقابة الصحية بمراقبة التزام المصحات بهذه النسب. المصحات التي تتميز في التوطين وتتجاوز النسبة المحددة وتسعى لتطوير الأطباء والممرضين المواطنين وتنجح في ذلك، تحصل على نقاط إضافية في “تقييم الامتثال الصحي“. وتقوم مؤسسة الرعاية الصحية بتقديم خدمات تطوير الأطباء والممرضين المواطنين وإرسالهم في بعثات ودورات تدريبية للتأكد من أن الطبيب المواطن والممرض المواطن منافسون لنظرائهم الأجانب ومطلوبون في أفضل المصحات الموجودة.

9- تقوم الدولة بتسجيل المواطنين في إحدى أنظمة التأمين الصحي الموجودة. وتتأكد من أن شركة التأمين تتعامل مع المصحات التي تنجح في اختبارات مؤسسة الرقابة الصحية وتلتزم بشروط ونسب توطين مهنتي الطب والتمريض، وتحقق درجات مقبولة في مؤشر “تقييم الامتثال الصحي“.

بذلك تستمر الدولة في تقديم حق العلاج المجاني لمواطنيها، لكن بدلا من تضييع الوقت والمال والجهد في بناء المستشفيات والعيادات والمختبرات وإدارتها وتوظيف عامليها، تترك هذه المهمة للشركات الخاصة المشغلة للمصحات، وتُعطي المواطنين حق اختيار المصحة التي تناسب معاييرهم الشخصية، فهناك من سيفضل المصحة الأقرب لمنزله، وهناك من سيفضل المصحة ذات التقييم السنوي الأعلى، وهناك من سيفضل مصحة بسبب وجود طبيب معين فيها. في كل الحالات ستقوم شركة التأمين الصحي، التي تعاقدت معها مؤسسة الرعاية الصحية التابعة لوزارة الصحة، بتغطية تكاليف علاجه حسب الأنظمة المتعبة.

10- في حال كون المواطن وأسرته حاصلين على تأمين صحي من طرف جهة العمل، تتم إضافة الميزانية المخصصة له من قبل الدولة لتأمينه الصحي بحيث يحصل على سقف أعلى للعلاج أو تتم تغطية مجالات لا تغطيها عادة شركات التأمين الصحي مثل علاج الأسنان والحمية وغيرها.

11- إذا فضلت إحدى الشركات المُشغلة للمصحات ألا تتوافق مع اشتراطات مؤسسات وزارة الصحة، أو عجزت عن تجاوز اختبارات مؤسسة الرقابة الصحية، تفقد نقاطا في “تقييم الامتثال الصحي“.

12- المصحات التي يقل أداؤها سنويا في “تقييم الامتثال الصحي” تفقد الدعم المادي الذي تقدمه الدولة لعلاج المواطنين في هذه المصحات، وتقل فرص فوزها بالمناقصات التي تقيمها الوزارة للحصول على رخص تشغيل المصحات الجديدة، وتفقد حقها في زيادة رسومها العلاجية. وبالتالي تضطر أكثر المصحات للخضوع إلى المعايير التي تفرضها الوزارة وتضمن جودة النظام الصحي ومواءمته لاحتياجات المجتمع والسوق. وعلى العكس تماما، تحصل المصحات التي يزيد تقييمها سنويا في “تقييم الامتثال الصحي” على حق الأفضلية عند المشاركة في مناقصات الفوز برخص إضافية لتشغيل المصحات في مختلف مناطق الدولة، ويحق لها رفع رسومها ضمن ضوابط وزارة الصحة.

13- في حال كون المؤسسات العلاجية الخاصة المُشغلة للمصحَّات الموجودة حاليا في الدولة غير قادرة على استيفاء حاجات المجتمع العلاجية في الفترة الحالية، تستطيع الدولة أن تقوم بتأسيس عدة مؤسسات علاجية في السوق كشركات مساهمة عامة، وطرح أسهمها للإكتتاب العام، بحيث تُدار بشكل مستقل وخاص وتتنافس في سوق المصحات الخاصة مع بعضها ومع باقي مشغلي المصحات. والأمر ذاته مع شركات خدمات التأمين الصحي.

14- قد تكون بعض المؤسسات العلاجية غير جاذبة للإستثمارات الخاصة في المراحل الأولى، أو قد تعجز المؤسسات الخاصة عن توفير الجودة المطلوبة كبعض المختبرات ومراكز الطوارئ والعيادات الموجودة في مناطق نائية ذات كثافة سكانية منخفضة. مثل هذه المؤسسات قد تستمر في العمل ضمن عباءة الحكومة، ولا شك بأن جودتها ستزداد بعد أن يُزاح عن كاهل وزارة الصحة عبء متابعة بقية المؤسسات العلاجية التي ستتم خصخصتها.

15- لن يفقد موظفو المؤسسات العلاجية الحكومية الحالية وظائفهم، فالمصحات ستستمر لكن تحت مُلكية وإدارة جديدة. والإدارة الجديدة ستكون بحاجة للموظفين وستكون مُلزَمة بتطويرهم لملائمة النظام الجديد.

فوائد النظام المقترح على النظام الصحي في الإمارات:

1- تتخلص الدولة من عبء إدارة المستشفيات والعيادات والمراكز العلاجية والمختبرات.

2- تحقيق التوازن في سوق المصحات الخاصة وحمايتها من منافسة العيادات الحكومية.

3- تسهيل تحكم وزارة الصحة بسوق العلاج والتعرُّف على نواقصه وأسباب لجوء المواطنين للعلاج خارج الدولة.

4- إعطاء المواطن حق العلاج في أي مستشفى في الدولة، مع الإستمرار في تقديم حق العلاج المجاني له ولأسرته.

5- إيقاف إزدواجية الإنفاق الحكومي على مؤسسات وزارة الصحة من ناحية، وعلى تقديم التأمين الصحي لموظفي الحكومة من جهة أخرى.

6- دعم الطبيب والممرض المواطنين وتعزيز فرص تواجدهم في القطاع الخاص بشكل منهجي ذكي.

7- إذكاء روح المنافسة بين المصحات لتقديم أفضل علاج ممكن للمواطنين والمقيمين.

ختاما،فالتغيير المقترح بلا شك جذري، لكن المشكلة التي نحاول علاجها هي أكثر تجذرا ويسري عليها بيت المتنبي الشهير:

“ووضعُ الندى في موضع السيف بالعُلى * * * مضرٌ، كوضع السيف في موضع الندى”.

الخصخصة ليست اختراعا جديدا، وهي بلا شك ليست بالشئ الجديد على النظام الصحي داخل أو خارج الدولة. هناك تجارب دولية كثيرة مقاربة لما اقترحت، والتحدي الأكبر لن يكون في تطبيق النظام، لكنه سيكون الإنتقال من النظام الحالي الذي تعود عليه الناس والعاملين في النظام الصحي، إلى نظام جديد لم يعتادوا عليه. فالأمر يعتمد في النهاية على إدارة التغيير Change Management وإدارة التوقعات Expectations Management. ونتمنى أن يصبر المواطن والمقيم بعض الشيء على الصعوبات غير المتوقعة التي ستبرز بلا شك في هذه المرحلة، كمساهمة منهما في تطوير النظام الصحي في دولة الإمارات.

صاحب هذه المدونة. إماراتي متعدد الإهتمامات. أكتب ما أفكر فيه حتى لا أنساه. حسابي على تويتر هو (jaberm_ar).

هل ترغب أن تشارك في التعليقات؟ إذاً تفضّل :)