هل يشعر الأطفال بفرحة العيد؟ لا أقصد أطفال المناطق المنكوبة بل أطفالكم!!

نتذكر جميعا فرحتنا بالعيد أيام الطفولة. كيف كنا ننتظره ونترقبه ونتجهز له.

وكيف كنا نخطط لجدولنا يوم العيد مسبقا. وكيف كنا نعيش أيامه كلها ونشعر بقيمتها.

كبرنا وتغير مفهوم العيد لدينا.

أنا شخصيا فقدت الفرحة بالعيد منذ ما يقرب العشر سنين. صار العيد عندي ينتهي مع غداء أول يوم.

وبعد الغداء يصبح يوما عاديا. إجازة مثل باقي الإجازات وإن كان الزحام يزيد فيها. حتى الثياب الجديدة لم أعد حريصا عليها كالسابق.

كنت أبرر الأمر بأنه بحكم السن. لم أعد طفلا والعيد للأطفال.

لكن البارحة كنت أتجول في إحدى مراكز التسوق في دبي بهدف الإنتهاء من شراء حاجيات العيد. ولاحظت أن المراكز عندنا – أتكلم عن دبي – لم تعد تعكس العيد أصلا. أتذكر في الماضي قبل حلول العيد تتزين المدينة كلها وتطغى الزينات على كل المحلات وترى عبارات التهنئة على الواجهات.

لكن الأمر تغير! والأدهى أن تزامن عيدنا هذه السنة مع أعياد النصارى جعلنا نقارن ما نقوم به نحن بما يقومون به هم. ترى محلاتهم تتزين لعيدهم وترى أشجارهم في كل محل. ترى الزينات معلقة بالمحل وبواجهته وعبارات التهنئة تملأ المكان. لعيدهم رموز وشخصيات وألوان مميزة. ويتعدى الأمر للبضائع فترى بضائعا مخصصة للمناسبة وحلويات بألوان خاصة وثياب بنفس الألوان المميزة. حتى العاملين في المحلات تراهم يلبسون ثياب العيد وبعضهم يلبس الأزياء التنكرية الخاصة بشخصيات العيد.

قارن ذلك بمحلاتنا نحن. فترى الجمود والملل. ترى الزحام الطبيعي قبل العيد وتعرف جيدا أن المحل يعيش أكثر فتراته انتعاشا طوال السنة بسبب الإقبال المهول قبل العيد لشراء كل شئ خاصة الملابس والحلويات. لكن هل ينعكس هذا الانتعاش على شكل المحل؟ لم أر ذلك إلا في محلات معدودة كأن ترى في محلات الحلويات بعض البضائع المخصصة للعيد أو لتهنئة الحجاج العائدين، وفي أحيان كثيرة ترى حلويات عليها تهنئة بشهر رمضان المبارك، أثناء عيد الأضحى!

هل تذكرون برامج التلفزيون أيام العيد؟ كيف كنا نلاحظ التميز فيها والإختلاف عن البرامج العادية؟ حتى التلفزيون اليوم لا يشكل أي ميزة للعيد. فقط “تترات” العيد المملة التي تتكرر ألف مرة في اليوم حتى يتمنى الشخص أن تعود المحطات لبرامجها العادية!

حتى التهاني كانت مباشرة ووجها لوجه.. صارت عن طريق إتصال هاتفي.. وتحولت إلى مجرد رسالة نصية.. ويعلم الله كيف ستكون مستقبلا. قد نستعيض عنها يوما ما بنية التهنئة في القلب!

قد لا نعر الموضوع إهتماما زائدا ونبرره بأن العيد في القلب – ولا أدري ما الذي يمنع أن يكون في كل مكان – لكن لو دققنا في الموضوع أكثر سنكتشف الجوانب المخيفة فيه. لنعد إلى بداية الموضوع. هل يعني العيد للأطفال اليوم ما كان يعنيه لنا عندما كنا بأعمارهم؟

لا أعتقد!

العيد ليس مجرد يوم في التقويم المعلق على الجدار. العيد ليس مجرد إجازة مدرسية. العيد ليس مجرد يوم يتلو رمضان أو يتلو الحج. العيد منظومة متكاملة. العيد تغير بيئي موسمي يكسر النمط الرتيب. هذا ما كنا نعيشه ونحن صغار لكنه غير متوفر اليوم.

والمصيبة أن البديل متوفر للأطفال! نغضب كثيرا عدما نرى أطفالنا مشدودين للأعياد الأجنبية مثل الكريسميس ورأس السنة والهالوين وعيد الحب (الفالنتاين) وعيد الفصح (الإيستر) وغيرها. لكن هل سألنا أنفسنا لماذا صار الأطفال مهتمين بهذه الأعياد أصلا؟ لماذا لم نكن نحن نعرف شيئا عن الهالوين وصار أطفالنا يحفظون تاريخه؟

الإجابة بسيطة. لأن الأجانب أتقنوا صناعة الأعياد. فصاروا يسوقون لها بشكل خيالي. في فترة الهالووين ترى كل المحلات تحولت للون البرتقالي. ترى الديكور المخيف. ترى الأقنعة والملابس التنكرية تباع في كل مكان. بل يتعدى ذلك السوق فترى كل برامج التلفزيون حتى المسلسلات والأفلام عن الهالوين. وترى المدارس تنظم الحفلات التنكرية. وترى الأطفال يترقبون المناسبة لشراء الثياب المخيفة والتجول في الشوارع وزيارة المنازل – التي زينت أيضا بزينة مخيفة تماشيا مع المناسبة – لجمع الحلوى.

في الكريسمس يحصل الشئ نفسه. نرى الزينة التي يطغى عليها طابع الثلج في كل مكان. نرى الألوان المميزة للمناسبة مثل الأحمر والأخضر. نرى صور وتماثيل “بابا نويل” وقبعته وأقزامه وغزلانه وعربته الطائرة. نرى حلوى النعناع على شكل العصا باللونين الأحمر والأبيض. نرى أشجار الكريسماس بزينتها وهداياها وجواربها. نرى رجل الثلج. لا ننسى طبعا الأطعمة المميزة للمناسبة والمشروبات الخاصة. الموضوع ليس مجرد مناسبة، بل هو نظام متكامل يتم تطويره باستمرار للتأكد من جاذبيته لكل الفئات ولمواكبته للعصر، ومن استمراره كمصدر متميز للربح.

تصور لو جئنا بطفل إماراتي وسألناه عن الكريسمس وعن الهالووين  وعن الإيستر وعن الفالنتاين. ما مدى علمه بهم؟ ثم تصور لو جئنا بطفل أجنبي وُلد في الإمارات وتربى فيها ودرس في مدارسها وتسوق في أسواقها، وسألناه عن عيد الفطر وعيد الأضحى ورمضان والحج، هل سيعرف عنهم شيئا؟

زينة الكريسمس في أحد مراكز التسوق في دبي
لماذا لا نرى هذا المدى من التسويق والرمزية لمناسباتنا؟ عيدنا يحوي الكثير من الرموز بالفعل. على رأسها خروف العيد! هناك الإفطار في عيد الفطر وهناك الحج في عيد الأضحى. عيدنا يحوي عادات اجتماعية أيضا. هناك زيارة الأقارب وهناك العيدية. هناك الحناء، وهناك وجبات خاصة بالعيد تختلف من منطقة لأخرى. هناك القهوة والحلوى. فلماذا لا نحسن استغلال أعيادنا ورموزها؟

نحتاج لأن نعيد تقديم الأعياد لأطفالنا. نحتاج لخلق رموز جديدة للعيد يترقبونها ويربطون بينها وبين الموعد السنوي. نحتاج لتخصيص طابع مميز لكل عيد يختلف عن الآخر. نحتاج لأن نبدأ في ربط كل عيد بألوان وشخصيات ورموز. نحتاج لأن نقوم بإعادة تسويق للعيد وقيمه وطرق الإحتفال به. نريد أن نحقق هذا كله وربطه بالجانب الربحي لتشجيع الإقتصاد على المشاركة في تسويق أعيادنا كما يفعل مع أعياد الغير.

وإن لم نفعل. فهناك أعياد أخرى سوف تجذبهم مهما كررنا أن أعيادنا هي – فقط – عيدي الفطر والأضحى.

نشر للمرة الأولى في الساحة العربية بتاريخ 19 ديسمبر 2007.

صاحب هذه المدونة. إماراتي متعدد الإهتمامات. أكتب ما أفكر فيه حتى لا أنساه. حسابي على تويتر هو (jaberm_ar).

2 تعليقان ، "هل يشعر الأطفال بفرحة العيد؟ لا أقصد أطفال المناطق المنكوبة بل أطفالكم!!"

  1. يقول قطر الندى:

    ماعاد شي مثل قبل …العيد فقد طعمتو
    لناس مو ناسنا….و الشوارع مو شوارعنا….و لحارات مو حاراتنا….و لاولاد مو اولادنا
    و الريحة مو ريحة بلادنا……….انااا وين بدي عيد يعني !!!

  2. أظنّ أنّ العيدَ مثل كلّ شيءٍ جميلٍ فقدناه. هو كغيره، لم يتغيّر، إنّما نحنُ من تغيّر، والأسباب عديدة.

هل ترغب أن تشارك في التعليقات؟ إذاً تفضّل :)