أسوأ عادات الحوار

الخلاف

تعاني الأمة حاليا من التطرف الحواري.. الحوار ليس فنا وليس علما فحسب، بل هو من أبسط مقومات الحياة ويقول بعض العلماء أن الإنسان يبدأ في الحوار وهو في بطن أمه فيتواصل معها، بل ذهب بعض العلماء إلى ضرورة مخاطبة الأب لابنه وهو في بطن أمه – (هو) تعود للإبن طبعا – وتحدث العلماء عن أهمية هذا الشيء في تطوير مهارات الابن الحوارية حتى قبل أن يولد.

فإذا كان الحوار شيئا أساسيا وبسيطا لهذه الدرجة كالتنفس والأكل فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة من التخلف الحواري؟

حسب خبرتي في هذا المجال، أرى أن التخلف الحواري هو نتيجة طبيعية لبعض العادات السيئة التي يكتسبها المحاور منذ طفولته، وبعضها عادات طبيعية لدى أي إنسان في مرحلة معينة من العمر ثم يتخلص منها مع نمو عقله وتوسع أفق تفكيره، ولكن للأسف تستمر هذه العادات السيئة مع البعض، وقد يكون السبب الرئيسي لبقاء هذه العادات مع الشخص، بعد تجاوزه للسن التي يتقبل منه الناس فيها هذه العادات، هو عدم إتاحة المجتمع للشخص فرصة الاعتماد الذهني على نفسه. فطوال مراحل عمر الإنسان العربي بشكل خاص، يعتمد على والده أو أحد الكبار من أهله في اتخاذ القرارات وتحليل الأمور من حوله، فيعتاد على اعتماد هذا الشخص كـ”مرجع” لا يشك في أحكامه. فإن جاء أحد ما بوجهة نظر تخالف وجهة نظر هذا “المرجع”، ترى الشخص يتوتر ويرى نفسه مجبرا على اتخاذ أحد قرارين كلاهما صعب: فإما أن يتخلص من كل ما اعتاد عليه و”يُصدم” في المرجع الذي كون له صورة مقدسة في ذهنه تتهشم أمامه فجأة، أو يغمض عينه عن الحقيقة الواضحة ويقرر أن يواصل الانقياد خلف المرجع وتجاهل أي وجهة نظر جديدة.

ومن هذه العادات السيئة التي تلازم الأفراد وتؤثر سلبا على قدراتهم في الحوار:

1- عادة (ما أملكه أفضل مما تملكه أنت):

عادة معروفة لدى الجميع، يروج صاحبها بأن ما يملكه هو أفضل مما يملكه الجميع. عادة نراها كل يوم في الأطفال فترى أحدهم يقول لصديقه (أبي أقوى من أبيك).. أو (سيارة أبي أسرع من سيارة أبيك). عادة طبيعية جدا لدى الأطفال ولكن للأسف تستمر مع الكثيرين لما بعد مرحلة الطفولة. ويغالط بعضهم نفسه بشكل واضح فترى أحدهم يشتري سيارة من نوع معين فيقضي الوقت كله في تعظيم هذا النوع وإظهاره كأفضل ماركة للسيارات.. وبعد سنين يشتري ماركة أخرى فيمجد الماركة الأخرى التي كان يهاجمها قبل سنين ويهاجم ماركة سيارته القديمة.

تنعكس هذه العادة على الحوار بأوجه مختلفة، فهي تؤدي لأن يرى الشخص أن آراءه ومعتقداته والمجموعات والفئات التي ينتمي إليها، سواء كانت بلدا أو قبيلة أو منطقة سكنية أو مذهب ديني أو نادي رياضي، هي أفضل دون شك من بقية البلدان والقبائل والمناطق السكنية والأحزاب والمذاهب والأندية والمنتخبات الأخرى. البعض يرى بلاده أروع البلدان وهذا أمر يحق له تماما فقد قال أحمد شوقي رحمه الله: (وطني لو شُغلت بالخلد عنه * * * نازعتني إليه في الخلد نفسي). ولكن أن يعتمد البعض شعور الانتماء الطبيعي والفطري للوطن في محاولة طمس الحقائق ومغالطة النفس كأن يرى الغير يتحدثون عن ظاهرة سلبية موجودة ومنتشرة في وطنه، فيقوم بنفي وجودها ومهاجمة من قام بطرح القضية وإطلاق الإتهامات. فإن كان الآخر من نفس البلد اتهمه بالخيانة ونكران النعمة، وإن كان من بلد آخر تبدأ المقارنات الطفولية من نمط (أبي أقوى من أبيك وأمي أجمل من أمك)!

وتتسبب هذه العادة عموما لكل المصابين بها بعداء واضح لكل من ينتمي لفئته أو مجموعته ثم قام بالتغيير أو نقد الفئة وإظهار عيوبها كما ذكرت في المثال السابق، فتسمع كثيرا من المصابين بهذه العادة ألفاظا كـ”خائن” و”عميل” و”مرتد” وحتى “كافر”، يلقيها جزافا لكل من يبدي أي وجهة نظر تنتقد الفئة التي ينتمي إليها. كما يغلب على من يعاني من هذه العادة التفكير بطريقة (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب) ويخطئ دائما في تفسير الحديث الشريف (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما).

وبطبيعة الحال فهذه العادة وغيرها من العادات التي سأذكرها تتراوح نسبها في الناس، فليس كل من يعاني من عادة (ما أملكه أفضل مما تملكه أنت) يكفر كل معارضيه!

كيفية التخلص من هذه العادة: يبدأ التخلص من هذه العادة السيئة بالتعرف عليها. ما أن تنتبه إلى وجود هذه العادة فيك حتى تكون قد قطعت ثلاث أرباع المسافة في التخلص منها. فوجود مثل هذه العادة يؤثر كثيرا على موضوعيتك وشفافيتك في الحوار ومصداقيتك. هل هناك سبب يدعوني للحوار معك لو كنت أعرف أنك لن تغير رأيك أبدا؟ فكر قليلا.. لو كان الصحابة يعانون من هذه العادة، هل كانوا سيدخلون في الإسلام؟ دين جديد يحاول أن يحل مكان دين الآباء والأجداد فهل هناك أدنى فرصة لمن يعاني من هذه العادة أن يفكر في الدخول إلى الدين الجديد؟ أن يسمع عنه؟ يسأل عنه؟ يقرأ عنه؟ يناقش أصحابه؟ قارن هذا الشيء بنفسك. هل تدرك الكم الهائل من الفرص التي تحرم نفسك منها لأنك مصر على أن ما لديك هو الأفضل؟ التخلص من هذه العادة كما أسلفت سهل جدا. ما لديك ليس هو الأفضل دائما، فما الذي يمنعك من أن تسعى للأفضل؟ قال الإمام الشافعي رحمه الله: (ما ناظرت أحداً، فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إلي).

2- عادة الخوف من التغيير:

الخوف من التغيير عادة تتوارثها الأجيال، فكلنا سمعنا كيف كاد العالم جاليليو أن يفقد حياته عندما أعلن أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية لا الكرة الأرضية كما كان الناس يعتقدون حينئذ، وسمعنا النوادر عن ردة فعل المجتمع نحو جهاز التلفزيون عندما وصل إلى بلادنا لأول مرة وكذلك السيارات والأسلحة النارية. حتى الإنترنت حاول البعض تحريمه ومنع وصوله خوفا من تأثيره على حياتنا، وسعى للتضحية بفوائده خوفا من عيوبه. يعزو البعض هذا الخوف من التغيير إلى الكسل. فقد اعتاد الناس على نمط معين من الحياة والتفكير ولا يريدون أن يتعبوا أنفسهم في تقبل الأفكار الجديدة. وقد يكون لتقديس العادات المتوارثة دور أيضا في هذا الخوف فبعض الناس يرغبون في مواصلة ما كان الآباء والأجداد يفعلونه مهما كان. فهل هذه العادات هي أفضل طريقة للحياة؟ في كثير من الأمور قد يكون ذلك صحيحا، فلم يصل الآباء والأجداد إلى ما كانوا يفعلونه إلا بعد تجربة خيارات كثيرة. ولكن هذا لا يعني أبدا أن نقتل الإبداع ونواصل ما وصلنا ممن عاشوا قبلنا كما كان، دون أي محاولة للتطوير أو التحديث. لذلك أصبحت إدارة التغيير Change Management علما يُدرس وقسما مهما في أي مؤسسة كبرى اليوم.

ترى هذه العادة السيئة واضحة في استقبال الناس للأنظمة والقوانين الجديدة التي تفرضها الحكومات أو تفكر بفرضها. لا يحاول الكثيرون بحث أسباب إقرار هذه القوانين والمشاكل التي تحلها، بل يعارضون فقط لرفضهم القوانين الجديدة، رفضهم لتغير نمط الحياة الذي اعتادوا عليه. والعادة موجودة في جميع المجالات، في عالم التقنية مثلا اعتدت على رؤية مهاجمين لكل نسخة جديدة من أنظمة التشغيل. اعتاد المستخدم على وجود الميزة الفلانية في المكان الفلاني في الويندوز 98، ولكن في الويندوز اكس بي تغير مكان الوصول إلى هذه الميزة ولهذا السبب فقط ترى البعض يهاجم الويندوز اكس بي.. حتى لو كان المكان الجديد للميزة أسهل من المكان القديم وبطبيعة الحال عند نزول النسخة القادمة من الويندوز سترى من يترحم على أيام الويندوز اكس بي ويهاجم النظام الجديد مهما كانت مميزاته.. هو فقط احتجاج على تغيير عادة يومية حتى لو كان التغيير للأفضل. الحالة نفسها تراها في عالم السيارات، موديل جديد من إحدى السيارات تتم مهاجمته فقط لأنه غير أشياء اعتاد عليها أصحاب السيارة!

التخلص من هذه العادة سهل أيضا ولا يحتاج إلا للقليل من التفكير والإبداع. تصور لو أننا خفنا من السيارات! لكنت تربط الآن بعيرك أمام الخيمة وتعد له العشاء! تصور لو أننا خفنا من التلفزيون.. كنت ستعرف غدا أن الكويت تم تحريرها ولكنك لن تعرف من بالضبط احتلها لتضارب الروايات! باختصار.. التغيير أمر جيد وهذا لا يعني أبدا أن نمشي وراء كل جديد، ولكن نعطيه فرصته من التجربة والتفكير ولا نعارضه فقط لأنه يخالف ما اعتدنا عليه.

3- عادة مناقشة الشخص بدلا من أفكاره وعادة رفض النقد:

هذه من أكثر العيوب انتشارا، حتى في البرامج التلفزيونية الحوارية المذاعة على الهواء. تجد الشخص يتحدث عن نقطة ما، ويقوم أحدهم بالرد عليه ولا يتحدث أبدا عن الموضوع المطروح ولكن يتحدث عن الشخص نفسه! فيقول من أنت حتى تحدثنا عن كذا وأنت فلان ابن فلان الذي كان يفعل كذا! والمصيبة لو رد عليه الشخص بنفس الطريقة فيصبح الحوار عن الأفراد وينسى الجميع الموضوع المطروح!

أيضا تندرج تحت هذه العادة بعض الطرق الطفولية في الرد التي يعتقد أصحابها أنهم “قلبوا الطاولة” بردودهم. فتراهم يُذَكِّرون المحاور بآراء سابقة تحدث عنها يوما ما ويفترضون أنه لم يطرح الموضوع إلا لأسباب شخصية. ففي المجال الرياضي مثلا إذا قام مشجع أحد الأندية بنقد تصرف أحد لاعبي ناد آخر ترى مشجعي هذا النادي يهبون للدفاع عن لاعبهم كأن صاحب الموضوع قام بإعلان الحرب ووجب عليهم الرد! وبدلا من نقاش النقطة المطروحة للنقد تراهم يهاجمون النادي الثاني ويذكرون عيوب لاعبيه عبر التاريخ ويتحول الموضوع إلى حرب بالفعل بين المتطرفين حواريا من مشجعي الناديين.

حل هذه المشكلة صعب نوعا ما فقد تعود بعض الأخوة على التفكير بهذه الطريقة ويصعب عليهم تقبل النقد من أي شخص ولكن لو دققوا في الأمر قليلا لاكتشفوا أنهم يخسرون كثيرا بسبب هذه العادة. فبهجومهم العشوائي الضاري على المنتقد لا يكسبون شيئا إطلاقا بل على النقيض تماما ستتشوه صورتهم بشدة أمام المتابعين، بينما لو فكروا في الموضوع بشكل هادئ لوجدوا أن الكاتب لم يقم إلا بتنبيههم إلى عيب موجود بالفعل والأجدر بهم أن يقوموا بمعالجة هذا العيب وشكره على تنبيهه. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي).

4- عادة التعميم ووجهات النظر المسبقة Stereotyping:

أقصد بالتعميم افتراض انطباق صفة موجودة في بعض أفراد فئة معينة على جميع أفراد الفئة واستخدامها كدليل دامغ ضد هذه الفئة أو على موضوع معين. والأمثلة على هذه كثيرة منها ما يستخدمه البعض على سبيل التندر في وصف الأخوة الصعايدة بالسذاجة والأخوة السودانيين بالكسل وأفراد قبائل معينة بالتحلل الخلقي وسكان إحدى المدن بالكرم وغير ذلك، كما يعاني العرب والمسلمون حاليا من التعميم في الغرب فكل مسلم وكل عربي يعتبر إرهابيا.

يؤثر التعميم بشكل كبير على طريقة تفكير الشخص، فعند مقابلته لشخص آخر من فئة ما يحمل عنها وجهة نظر مسبقة، لا يقوم بأدنى محاولة لتقييم الشخص أو محاولة فهمه، فهو لا يرى فيه إلا شخص يحوي صفات سيئة معينة لا جدال فيها. وأعتقد أن معظم القراء قد قابلوا أشخاص في حياتهم وتوقعوا وجود بعض الصفات السيئة فيهم مما منعهم من الاحتكاك الإيجابي معهم، وبعد فترة اكتشفوا أنهم كانوا مخطئين تماما وندموا على فكرتهم المسبقة تجاه هؤلاء الأشخاص. وطبعا وجهات النظر المسبقة والتعاميم لا تكون تجاه أفراد فقط بل حتى تجاه الأفكار.

ومما لاحظته مؤخرا فالتعميم داء منتشر وبشدة وبشكل سلبي جدا ويؤثر على الحوارات. فعلى سبيل المثال بعد زيادة تسلط الحكومة الأمريكية مؤخرا زادت حدة العداء ضد كل ما هو أمريكي وأصبح من المعتاد أن ترى أحدا يلعن أمريكا وآخر يدعو عليها بالدمار وآخر يتمنى تدمير معالمها واختفاءها من خريطة الكرة الأرضية، ونسى هؤلاء الأخوة أن أمريكا مجرد قطعة من أرض الله الواسعة يسكنها المسلمون كما يسكنون غيرها وأن الإسلام هو أسرع الديانات انتشارا فيها. فعدد المسلمين الأمريكان كبير جدا وعلى الرغم من كونهم مسلمين فهم أيضا أمريكيون يعتبرون أمريكا وطنهم الذي يفتخرون به وبمعالمه وتاريخه وتراثه كما نفتخر نحن بأوطاننا وتاريخها ومعالمها. تصور لو قمت أنا بالدعاء على سكان وطنك وتمني زوال بعض معالمه.. كيف سيكون موقفك مني؟ هذا ما يلاقيه المسلمون الأمريكان من بعض إخواننا! فيجب أن نكون أدق بعض الشئ في النقد وفي توجيه اللوم.

وأيضا مما يستحق الذكر في مسألة التعميم ووجهات النظر المسبقة حوار دار بيني قبل أيام وبين أحد الأخوة عن كتاب (حياة في الإدارة) للدكتور غازي القصيبي. بعد قراءتي للكتاب انبهرت جدا بمحتواه وطريقة عرضه للمعلومات، والدكتور غازي بحر في عالم الإدارة ولا يبخل على قرائه بخبراته أبدا فكتابه المذكور عبارة عن خبرته الإدارية الشاسعة مقدمة في كبسولة سهلة البلع. عموما عندما نصحت الصديق بقراءة الكتاب رفض فورا والسبب كان أن الدكتور غازي “علماني”!

صدمني الرد وجعلني أراجع ما استفدته من الدكتور غازي واستشرت أخا آخر أثق بحكمه عن الدكتور غازي. فقال لي الأخ الثاني، بغض النظر عن انتماءات غازي القصيبي وتوجهاته فما المانع من أن نستفيد من عقليته في المجال الإداري؟ لماذا نحلل على أنفسنا استخدام السيارات التي يصنعها البوذيون والكمبيوترات التي يصنعها النصارى واليهود، ونحرم على أنفسنا الاستفادة من خبرات الدكتور غازي المسلم السعودي؟ وإذا كان بالفعل كما يدعون علمانيا فهو لم يحاول أن يكتب كتابا في الفقه أو الشريعة بل كتابه في المجال الإداري. فلنستفد منه في هذا المجال ولنستفد من غيره في الأمور الأخرى!

للتخلص من هذه العادة، كل ما يلزمك هو إعادة النظر في نظرتك الأولية حول الأمور. عندما ترى أحمد الهندي لا تتعجل بافتراض الصفات التي تعمقت في تفكيرك عن الهنود في أحمد. بل حاول أن تعامله كشخص لا تعرفه وأعطه الحق في إثبات ذاته وتكوين فكرة خاصة به في ذهنك. إذا أثبت بعض الأفكار المسبقة لديك، لا تلجأ للإقصاء، استفد من التواصل معه فقد يفيدك في نواحٍ أخرى. عندما ترى كتابا كتبه كاتب تشك في انتماءاته فهذا لا يمنع أبدا من أن تستفيد منه ولكن كن حذرا عند التعامل معه.

5- عادة أفراد القطيع:

البعض يتصرف كخرفان في وسط قطيع، فيتبع الخروف الذي يسبقه أينما رحل ويتوه إن لم يجد راعيا يدله ويقوده.

هذه العادة تراها عادة بين صغار السن الذين يتبعون الأكبر سنا أو في معدومي الثقة الذين يبحثون عن أي “قائد” ذو شخصية قوية يسيرون خلفه أو عن “خبير” يعتمدون عليه في التفكير واتخاذ القرارات بدلا منهم. وللأسف هناك فئة اعتادت على العبودية فانعدمت لديها القدرة على التفكير والتحليل واتخاذ القرار وأصبحت تسير كالشاة – واقعا لا مجازا- خلف راعيها.

ويتشابه أصحاب هذه العادة مع أصحاب عادة الخوف من التغيير، فهم يحاولون دائما أن يكونوا مثل غيرهم من أفراد فئتهم -أو قطيعهم- ففي بعض الأحيان ترى قضية كبرى تشغل العالم، لكن لا يعلق عليها أي أحد من أفراد القطيع، حتى يقوم “الراعي” بالتعليق عليها، وقد يتأخر، وخلال دقائق ترى القطيع تزاحم للموافقة على رأي الراعي وتأييده بحماس منقطع النظير، ويتعاملون مع القضية وكأنها قضية العصر رغم أنهم لم يكونوا مهتمين بها عند طرحها.

وتتشابه أيضا هذه العادة مع عادة (ما أملكه أفضل مما تملكه) وتراها بين المنتمين للتيارات الدينية بشكل واضح. فإن كنت من نفس قطيعي سأرد عليك وأمتدح رأيك، بينما لو لم تكن من قطيعي فسأسعى للتقليل من شأن أفكارك والسخرية منها قدر المستطاع. لن أنسى صورة انتشرت قبل فترة في المنتديات لبابا النصارى وهو منبطح على بطنه في الكنيسة، يتناقلها البعض مع تعليقات ساخرة على وضعيته، ونسوا أن صلاة المسلمين تتعرض لتعليقات كهذه من الغير وقد ننفعل عندما نراها.

قد يكون الخوف هو أحد أسباب وجود هذه العادة لدى البعض وهذا موطن تشابهها مع عادة الخوف من التغيير، فمن يعاني من هذه العادة لا يرغب أبدا في أن يبدو مختلفا عن بقية أفراد قطيعه فيقلدهم حتى لو لم يكن مقتنعا كثيرا بآرائهم. وإن أراد أن يكون إيجابيا بعض الشئ يقوم بالتزام الصمت عندما يرى منهم ما لا يقتنع به. أما المناقشة والحوار معهم فهذا أمر غير وارد أبدا. فقد يخسر عندئذ قطيعه وقد يغضب راعيه ويصبح فريسة للذئاب!

هناك تجربة علمية شهيرة تندرج تحت هذه العادة، حيث قام باحثون بإحضار مجموعة من المتطوعين من فئة مهنية واحدة (كانوا جميعهم مدرسين) وأخبروهم بأن الهدف من هذه التجربة هو دراسة مدى انصياع المدرسين للقرارات الإدارية. في التجربة تم ربط طالب بكرسي وإيصاله بدائرة كهربائية، وإعطاء المدرس زرا يبث الكهرباء في جسم الطالب. جلس أحد الباحثين مع المدرس والطالب في الغرفة وطلب من المدرس أن يسأل الطالب بعض الأسئلة، وإذا فشل الطالب في إجابة أحد الأسئلة طلب الباحث من المدرس أن يقوم بالضغط على الزر وصعق الطالب. وبالفعل بدأت التجربة وبدأ المدرس في طرح الأسئلة وعندما أخطأ الطالب لأول مرة ضغط على الزر وأصابه الرعب عند رؤية الطالب وهو يتعذب فنظر للباحث الذي طلب منه الاستمرار، فيسأل المدرس المراقب: “هل فعل بقية المدرسين الشئ نفسه؟” ويرد المراقب بالإيجاب. وكان هذا كافيا للمدرس حتى يعود للضغط على الزر وعدم التوقف حتى وهو يرى الطالب يتلوى من الألم!

طبعا كان الطالب ممثلا محترفا ولم يصاب بأية صعقات كهربية – أو على الأقل هذا ما ادعاه الباحثون – ولكن المصيبة أن معظم المتطوعين الذين خاضوا هذه التجربة فعلوا الشئ نفسه. عذبوا شخصا وشاهدوه يتلوى ولم يتوانوا عن الاستمرار في التعذيب بسبب وجود أوامر مباشرة من المراقب، وحتى يكونوا مثل بقية المدرسين!

طريقة التخلص من هذه العادة هي أن تدرك مساوئها، فهل ترى كيف تضر هذه العادة بإنسانيتك وقدرتك على التمييز والتفكير؟ تصور أن ترى شخصا معدوم الشخصية يتبع دوما من يظن أنهم أعقل وأقدر منه. هذا بالضبط ما يراه فيك الآخرون. فهل ترضاها لنفسك؟ التغيير سهل، فقط عبر عما يجول في ذهنك أنت، وادلو بدلوك لا بدلاء غيرك.

6- عادة التبرير العقيم:

يخطئ بعض الأخوان، وهذا شئ وارد دائما، من منا لا يخطئ؟ ولكن المصيبة أن يعرف الشخص أنه أخطأ ويصر على هذا الخطأ حتى لا يظهر بمظهر سيء ولا يعرف أنه بفعله هذا يصبح في أسوأ صورة! تظهر هذه العادة واضحة في الأطفال عندما يرتكب أحدهم خطأ فيحاول أن يبرر خطأه بشتى الطرق وأسهلها أن يقول: “لم تكن غلطتي ولكن حصل كذا”. فيكون قد أخطأ خطأين: الخطأ الأول الذي حاول أن يبرره + الكذب أو محاولة التحايل والهروب من العقاب.

مع الكبار تأخذ هذه العادة منحنى خطيرا جدا وتؤدي لعادة سيئة أخرى هي التبرير. يعرف أحدهم أن ما يقوم به أو يفعله خطأ لكن يتجاهل كل الدلائل على الخطأ ويبتكر دلائل على أن ما فعله أمر عادي تماما ولكن الآخرين يظهرونه بشكل سيئ لغرض في نفوسهم. ترى هذه العادة واضحة في المدخنين، فلا يختلف اثنين على خطورة التدخين والأمراض التي يسببها، لكن المدخن يسمعك تبريرات غريبة كـ “فلان مدخن وعمره 70 سنة” أو “هذه أعشاب ومن الطبيعة فكيف تضر؟” أو “أضرار التدخين مجرد نظريات ولم يثبتها أحد” أو “لم يمت بالسيف مات بغيره” أو حتى “نعم التدخين ضار ولكن الفوائد التي أجنيها منه كإزالة التوتر تغطي على كل ضرر”.

يرى البعض أن هذه مجرد اجتهادات، ولكن الفرق بين الاجتهاد والتبرير كبير. المجتهد هو من يدرس الأدلة والبراهين ثم يتخذ قراره اعتمادا عليها، ولكن المبرر يتخذ قراره ثم يبحث عن الأدلة والبراهين التي تسند هذا القرار.

كيفية التخلص من هذه العادة: تذكر دائما أن كل إنسان معرض للخطأ. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”، فلو كان كل ابن آدم خطاء فلم لا أسعى لكي أكون خير الخطائين؟ وتذكر أيضا بأنك لن تخدع كل الناس! في النهاية سيرى محاورك أنك شخص مصر على ارتكاب الخطأ والمضي فيه. فلو كنت تصر على الخطأ لكي تحافظ على صورتك فصورتك تتدمر تماما مع إصرارك على هذا الخطأ! قال الإمام الشافعي رحمه الله: (ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلهما إلا هبته و اعتقدت مودته، ولا كابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني).

7- عادة الكذب والمعلومات الخاطئة والتحدث عن جهل:

ترى بعض الأخوة هداهم الله يناقشون مسائل لا علم لهم فيها وإذا رد عليهم أحد بحجة قاموا بتأليف الحجج المضادة أو استعانوا بمراجع غير موثوق بها، او يستخدمون الحجة في غير موضعها. والمأساة أن ينجرف أحد وراء هذه الحجج والمراجع.

فعلى سبيل المثال أذكركم بما حصل بعد أحداث 11 سبتمبر. وجدنا الكثير ممن ينفون ارتباط الأحداث بالمسلمين نهائيا ويستدلون بقصص غريبة مثل قصة اليهود الذين تغيبوا عن أعمالهم في البرج صباح ذاك اليوم وبأن هناك منظمة صينية هددت بالإنتقام من أمريكا.

وبعد أن قام أسامة بن لادن بإعلان مسؤوليته تغيرت وجهات نظر الأخوة، فأصبح الضحايا أعداء يستحقون ما حصل لهم، وصاروا يؤكدون أن المسلمين قادرين على دك حصون الكفر حيثما كانت.

وقبل فترة سمعنا عن النظرية التي تقول بأن صاروخا أمريكيا أصاب مبنى وزارة الدفاع الأمريكية لا طائرة، وجدنا نفس الأخوة يؤيدون نظرية الصاروخ ولكن في الوقت نفسه يؤكدون أن منظمة القاعدة كانت وراء ضرب الأبراج بالطائرات!

فالقرارات ووجهات النظر كانت تؤخذ وتنشر دائما دون الحصول على معطيات كافية ودون تفكير، والدليل على ذلك العدد الكبير من الآراء المتناقضة التي تبناها نفس الأشخاص! والاعتماد على معلومات مصدرها الوحيد رسائل البريد الإلكتروني مجهولة المصدر وعديمة المصداقية!

مثال آخر لهذه العادة هي بعض المقالات الطبية التي يتناقلها البعض، حيث يقوم بعض الأخوة بنقل طرق علاج سمعوا عنها أو كتبت عنها جرائد غير متخصصة ولكن الأخوة يتحدثون عنها كوسائل علاج لا شك في نجاحها، وفي النهاية يجربها بعض الذين يعانون من هذا الداء وقد تحصل لهم مضاعفات خطيرة جدا ويقع الإثم في النهاية على الشخص الذي كتب لهم طريقة العلاج وهو غير مؤهل لذلك، والشخص الذي نقل الطريقة بكل عفوية.

طريقة التخلص من هذه العادة: يجب أن تدرك جيدا أن ما تقوله قد يؤخذ بشكل جدي وقد يؤثر سلبا على حياة إنسان آخر. وأن الاستشهاد بمصادر غير موثوقة يؤثر بشكل كبير في مصداقية ما تكتبه. كما يجب ألا تنقل أي موضوع أو خبر أو معلومة إلا وأنت تتحمل مسؤولية ما ورد. عندما لا تكون متأكدا من وجهة نظرك حول موضوع معين بسبب قلة المعطيات قم بتجنب الحديث عنه ولا تشارك برأيك إلا عندما تكوّن وجهة نظر كاملة مدعومة بالأدلة. قال الله سبحانه وتعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم).

ومن ضمن العادات السيئة في الحوار أيضا:

8- الردود المائعة. في بعض الحوارات يسأل أحد الأطراف الآخر سؤالا لإثبات وجهة النظر، فيقوم الطرف الآخر بالرد على السؤال بسؤال آخر أو بالإجابة بطريقة مائعة لا ترى فيها الإجابة. هذه الأساليب تبين ضعف الحجة والتهرب من الإجابة وتحول تعاطف القراء إلى صاحب السؤال.

9- فقدان المصداقية. عند قراءة موضوع يتعلق بك أو بفئة تنتمي إليها وقبل الرد عليه، اعتبر نفسك طرفا ثالثا في المسألة وانظر للموقف من زاوية بعيدة. واحكم عليه. وبعد ذلك قم بالرد على الموضوع بحياد وصراحة وذمة. قبل الهجوم على شخص لم تعجبك وجهة نظره حاول أن تنظر للموضوع من زاويته وحاول أن تقدر الظروف التي أدت إلى تفكيره بهذه الطريقة. فقد يكون قد عانى من أمر لا تعرفه. لا تدخل في النوايا. عند الاستماع لوجهة نظر ما، افترض حسن النية عند الآخرين حتى وإن لم يعجبك رأيهم.

10- الإستعجال. لا تحكم على الأمر حال سماع الفكرة. تمهل وراجع الموضوع من جميع الجوانب ثم اسأل نفسك، هل يقدم ردك الحل للمشكلة؟ هل يصف الوضع المثالي أو المطلوب؟ هل يستفيد أحد من رأيك أم هو مجرد انتصار للذات؟ لا تقم بالرد فقط بغرض الرد. حاول أن تقدم وجهة نظر مفيدة. فإن لم تكن لك وجهة نظر مؤيدة أو مخالفة فاعلم أن الموضوع لا يخصك.

11- الدخول في مهاترات. في بعض الأحيان لا يكون الطرف الآخر راغبا في الحوار أصلا. تراه يطرح وجهة نظره للتهريج، أو أن يفتقر الكفاءة للحوار الجاد. في مثل هذه الحالات لا تنزل من قدرك بالرد عليه والدخول في مهاترات لا تقدم ولا تؤخر. قم بتجاهل الموضوع تماما وكأنه غير موجود. والشئ نفسه عندما تطرح أنت فكرة، وترى أن من يعارضك فيها جاء للتهريج والتطاول ولم يأتي للحوار. قم بتجاهله.

ختاما، تطور مستوى الحوار في أمة انعكاس طبيعي لتطور المستوى الذهني والفكري لهذه الأمة. والعكس صحيح تماما. لنرتقي بأنفسنا وبحواراتنا وبأمتنا. ولنعطي أمثلة جيدة للجيل القادم فإن ورثناه الحوار العقيم، ورثناه العجز عن التطور ومقارعة باقي الأمم.

رد نشرته في الساحة العربية بتاريخ 30 ديسمبر 2002 على موضوع بقلم الأخ وائل غنيم بعنوان (الساحة العربية بين تطرف الفكر وتطرف الحوار).

صاحب هذه المدونة. إماراتي متعدد الإهتمامات. أكتب ما أفكر فيه حتى لا أنساه. حسابي على تويتر هو (jaberm_ar).

هل ترغب أن تشارك في التعليقات؟ إذاً تفضّل :)